الكتابة النسائية بقلم د. مي نايف

المقالات 0 admin

قبل فترة وجيزة وبينما كنت أستمع إلى قصائد كتبها بعض الشباب… قرأ علينا أحد الشباب الواعدين قصيدة تنبؤ بأنه سيكون له مستقبل باهر في كتابة الشعر. فأخبرته عن رأيي في نصه فإذا به يحكي لي عن تجربته في نشر أول نص له، قال : لقد أرسلت النص إلى صحيفة واسعة الانتشار على مستوى فلسطين وكتبت اسمي في آخرها، وانتظرت كشاب في بداية عهده بالكتابة أن ينشر عملي حتى آخذه وأباهي به أصحابي.

بعد فترة طالت من الانتظار أرسلت نصي مرة أخرى للجريدة نفسها وقد وقعته هذه المرة باسم أنثوي فما انتهى الأسبوع إلا وكانت الصفحة الأدبية قد نشرت النص فأخذته ممهوراً باسمها ومررت به على أصحابي وأنا أحلف لهم وأشهدهم أن الكاتبة هي أنا.

ثم علق على ذلك قائلاً في صحفنا يفضلون النشر للشابات على الشباب، وأردف ماذا أفعل لقد اضطررت أن أقوم بذلك التصرف. ضحك الجميع وصفقوا له وطلبوا منه أن يقرأ عليهم قصيدة أخرى ومضى وقت اللقاء وأنا أستمع من مجموعة الشابات والشباب إلى أعمال رائعة جعلتني أتفاءل بالمستقبل القادم للشعر في وطننا رغم الاحتلال والحصار.

ولكنني عندما عدت إلى المنزل وجلست مع نفسي أخذت أتساءل… ترى هل هي محاولة من الصحيفة لتشجيع الأقلام النسائية على الكتابة ؟ أم أن هناك ضعفاً في المشرفين على الصفحات الأدبية.

أتكتب الكاتبات بلغة وبصوت ذكوري يجعل تغيير اسم المؤلف للنص من المذكر إلى المؤنث لا يغير شيئاً من ناحية نقدية. ويجعل الفرق بين نص الكاتبة والكاتب محصوراً في الاسم المكتوب لمؤلف النص ؟… ألا يوجد فروق صوتية وتركيبية بينهما؟ 

ولما كان الشيء بالشيء يذكر تذكرت ما كنت أقرأه في كتب تاريخ الأدب العربي وهو النقيض ففي بداية عهد النساء بالنشر كن الكاتبات يوقعن أعمالهن بأسماء رجالية أو بالأحرف الأولى من أسمائهن خوفاً من إلصاق التهم بهن والنظر إليهن بدونية واتهام أسرهن والبدء بالتفنن في عقابهن.

لقد كان من التابو ذكر اسم الأم أو الأخت، فالأسماء الشخصية تحذف وليس للكاتبة ذكر أسماء أجزاء معينة من الجسم، أو التحدث حول وظائفها كما يستعملها الرجال أو الشباب. لذلك كن يعتمدن على الكنايات والانزياحات لإيجاد كلمات أو عبارات مهذبة وملطفة قد تصبح مع كثرة الاستعمال كالكلمات الأصلية الصريحة. 

الكتابة فعل ذكوري وللمرأة الاستماع والانصات، في الخمسينات وبعدما أتيح للمرأة العربية الدخول إلى ميدان التعليم والحضور الفعلي في مختلف الميادين ومنها الأدبية بدأت بالكتابة مما جعل أنظار النقاد تلتفت إليها ليس بوصفها كاتبة بل بوصفها أنثى وليس الذكر كالأنثى…

حوادث الحاضر وحوادث الماضي تجعل الكثيرين يتساءلون إن كان الأدب يقسم فعلاً بحسب الجنس إلى أدب نسائي وأدب رجالي؟ وهل تكتب المرأة بطريقة مختلفة عن تلك التي يكتب بها الرجال؟ أتكتب مع وجود وعي عندها بأنها تستعمل لغة مختلفة؟ وهل للمرأة خصوصية تجعلها تكتب حقيقة أدباً مختلفاً؟ 

يذكر البعض أن الأدب قيمة إبداعية لا تعير اهتماماً لجنس المبدع، ويرفض بعض النقاد من الجنسيين تقسيم الأدب بحسب الجنس ويستغربون رغبة بعض الكاتبات والكتاب في ذلك التقسيم، ويتساءل الكتاب لماذا تفعلن ذلك وأنتن تطالبن في الوقت نفسه بالمساواة في كل شيء، وتتبعهن بعض النساء في ذلك منخدعات ببريق المساواة حيث ترفض بعض الكاتبات مصطلح الكتابة النسائية لما ترى فيه من مفهوم حريمي محتقر، وتعتبر أن الأدب النسوي فكرة شرقية، وهي لا تريد أن يلتصق بها ما هو نسائي فهي تشعر بما في ذلك من دونية وقد جعلت مثلها الأعلى ذكورياً تنظر إليه من أسفل إلى أعلى وهي تتأمل الوصول إليه. 

هل الأدب النسائي أدب ثوري يكون بعد الفترات الاستعمارية ضد ظلم المستعمر واستبداد الرجل، أم إنه أدب تهدف المرأة من ورائه إلى تغيير موقعها في المجتمع. هل سيبقى الأدب النسائي يعالج موضوع المرأة وحريتها وتمردها وقلقها… وماذا تعني هي وماذا يعني هو؟ هل من الواجب على المرأة أن يكون حديثها وكتابتها عن الأولاد والعلاقات الشخصية والأسرية والعمل والأزواج. متى سيعكس تجارب شخصية وأحاسيس عاشتها المرأة دون الرجل خصوصاً حين كانت في عصر الحريم والفاصل الكبير بين المرأة والرجل ، ومرحلة طفولتها ومكانتها بين إخوانها من الأولاد. ثم فترة المراهقة والزواج والانجاب وحقوقها كإنسانة في الحرية والعمل والانتخاب وغيرها من أمور الحياة.

وإذا كان الأدب النسائي يعود بالمرأة إلى بداية الحضارة وما قبل عصر التنوير فهل يعني ذلك أن هناك أدباً نسوياً تواجد في مصر في فترة ما قبل قاسم أمين وتحرير المرأة.

لا بد من القول أنه حتى من يرين أو ترين أن لا فرق بين أدب تكتبه المرأة وآخر يكتبه الرجل، يعتقدون أن للأدب الذي تكتبه المرأة نكهة أخرى، كما هو الحال بالنسبة لغادة السمان ويمنى العيد. 

ونتساءل هل تكتب المرأة بصوت خفيض كما يحلو للبعض أن يصف صوتها به انطلاقاً من فكرة أن صوت المرأة عورة ؟ ولماذا تكتب حتى تشبع فكرة أدبية فنية تعتريها أم للانتقام ولشعورها بالدونية من الكتابة الذكورية؟ وهل خصوصية كتا بتها نفسية أم اجتماعية ؟

تقول الناقدة يمنى العيد إن الكتابة النسائية ” عملية تحرير لقدراتها الفكرية ومجال للممارسة مداركها ومشاعرها ولإنضاج رؤاها، كما أنه سبيل لإغناء وعيها وتعميق تجربتها بالحياة، إنه إمكانيتها الوحيدة لإقامة علاقة جمالية مع الواقع تعطيها فرصة الاستمتاع بفرح الإبداع”( ).

إن لغة الرجال قد تكون أداة للسيطرة على النساء أي أنها تفرض سلطة ذكورية على النساء، ويبقى الجميع يصر على أن الأدب النسائي أقل مكانة من أدب الرجال على الأقل من باب أن الرجال قوامون على النساء. والسؤال الذي يطرح نفسه هل يكتب الرجال أدباً نسائياً؟ وهل إيلاء القضايا الخاصة بالمرأة اهتماماًً مركزياً كما فعل إحسان عبد القدوس يجعل ما كتبه أدباً نسائياً؟ 

في الحقيقة للنساء أدب نسائي خاص وإلا لماذا تتحدث النساء مع النساء وتخضن في بعض المواضيع على اعتبار أنها مواضيع نسائية؟ ويرفض بعض الرجال الخوض في بعض المواضيع علىاعتبار أنها مواضيع نسائية؟ والعكس بالعكس مع النساء مما يجعلهن يقلن إنه حكي نسوان.

لماذا يمتنع بعض الرجال عن الخوض في بعض الموضوعات على اعتبار أنها حكي رجال يجب ألا يتواجد فيه حضور نسائي. والجميع يدرك وجود مصطلحات خاصة بالنساء فهناك بعض الألفاظ التي يضحك الحضور عند استخدامها من قبل الرجال على اعتبار أنها خاصة بالنساء، لا تقلل من شأن النساء ولكنها تعطي لهن خصوصية. وهناك أمور لا تناقشها النساء مع الرجال فيم تتحدث بها النساء مع بعضهن البعض، وأتساءل هل تحدث المرأة المرأة كما تحدث المرأة الرجل والعكس صحيح بالنسبة للرجل، هل تعابير الرجال محظورة على النساء؟ والرجال الذين يستخدمون تعابير نسوية ألا يتعرضون للاحتقار! 

لقد اعتاد الرجال على الكتابة ويستغربون من خوض النساء عالمهم فلماذا تكتب المرأة وهي حاضرة في الكتابة الرجالية؟ ولماذا تكتب وقد كتب الرجال عنها وأراحوها وما زالوا يكتبون … ويقال لقد كتبوا عنها بأفضل مما كتببت عن نفسها.

لا بد من أن تكتب المرأة وتحكي بلسان كل النساء حيث تختلف لغة نساء المدينة عن نساء الريف والنساء العربيات عن الغربيات والعربيات يختلفن من قطر لآخر؟ ولغة ربة البيت عن العاملة؟ وتختلف لغة المرأة الحزبية عن الرجل؟ والمرأة من خلال لغتها يمكن معرفة المسترجلة من العادية من عالية الأنوثة، والمتعلمة من الجاهلة …. 

وفي النهاية لو طلب من الرجل والمرأة الكتابة إزاء قضية عالمية موحدة هل يكتبون من نفس المنظور وبنفس الرؤية أم للنساء أصوات ومعجم وتراكيب تختلف عما يستخدمه الرجال وهل لهن شفرات يستطعن التواصل من خلالها ويتم التعارف عليها بينهن؟ وهل في ظل العولمة وتحول العالم إلى قرية صغيرة يمكن أن يكون للمرأة سمات عالمية توحدهن، أم سيتماهى صوت المرأة بالرجل ولن تنصف العولمة المرأة.

د. مي نايف

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً